قيس سعيد تونس

شابات تونسيات يخترن الزراعة طريقًا لمواجهة البطالة ونزيف الهجرة

في ظل تفاقم البطالة وارتفاع وتيرة الهجرة من المناطق الريفية، برزت مبادرات فردية تقودها شابات تونسيات اخترن ولوج قطاع الزراعة وتربية المواشي كبديل لكسب العيش ومحاولة تثبيت السكان في الأرياف، رغم ما يرافق هذا الخيار من تحديات اقتصادية واجتماعية وبنيوية.

من شمال غرب تونس، وتحديدًا من ولاية الكاف، تقدم الشابة نورة القاطري نموذجًا لمشروع فلاحي تطور تدريجيًا، في سياق يتسم بندرة فرص الشغل وتراجع جاذبية القطاع العام. نورة، التي تدير ضيعة تمتد على مساحة هكتار ونصف بمنطقة قروية تابعة لمعتمدية السرس، اضطرت إلى الاعتماد على نفسها في تسيير أنشطة الزراعة وتربية الأبقار والأغنام، في مواجهة نقص اليد العاملة وارتفاع التكاليف.

وتعكس تجربة نورة واقعًا أوسع تعيشه مناطق ريفية عديدة، حيث تبدو القرى شبه خالية من فئة الشباب، مقابل حضور لافت للفئات العمرية المتقدمة. ووفق معطيات رسمية، يشغّل القطاع الزراعي نحو 14.2 في المائة من اليد العاملة في تونس، غير أن ذلك لم ينعكس بشكل ملموس على تحسين ظروف العيش، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية والخدمات.

وتُظهر الأرقام أن البطالة في المناطق الريفية قد تتجاوز 40 في المائة، مقابل معدل وطني يناهز 15.4 في المائة، في وقت يشكل فيه حاملو الشهادات العليا نحو ثلث العاطلين عن العمل. كما يقدّر المرصد الوطني للهجرة عدد الكفاءات التونسية التي تغادر البلاد سنويًا بنحو 30 ألف شخص، مع تسجيل رغبة لدى قرابة خُمس الشباب في الهجرة بحثًا عن فرص أفضل، خاصة نحو أوروبا.

في هذا السياق، اختارت نورة القاطري، بعد انقطاعها عن الدراسة إثر وفاة والدها، الاستثمار في الفلاحة اعتمادًا على إمكانيات عائلية محدودة. ورغم صعوبات البداية، التي شملت فقدان جزء من القطيع وتعقيدات التمويل، التحقت سنة 2017 بإطار تكويني محلي مكّنها من اكتساب مهارات في تربية المواشي وتحويل الألبان، إلى جانب الاستفادة من دعم جمعيات تنموية وبرامج تعاون دولي.

وبمرور السنوات، ارتفع عدد الأبقار في ضيعتها من بقرتين إلى 16 بقرة، إلى جانب عشرات رؤوس الأغنام، مع توجهها نحو تنويع الأنشطة وربط الفلاحة بالسياحة الإيكولوجية والثقافية، من خلال مشروع تشاركي يهدف إلى تثمين المنتوجات المحلية وربطها بمسارات سياحية داخلية.

غير أن هذه التجربة لا تمثل القاعدة العامة، إذ تواجه مشاريع أخرى مصيرًا مغايرًا. ففي ولاية سليانة، اضطرت شابة أخرى إلى التخلي عن مشروع فلاحي بسبب صعوبات التمويل وتراكم الديون، ما يعكس هشاشة الاستثمار الصغير في القطاع الزراعي أمام تقلبات المناخ وارتفاع أسعار الأعلاف وتعقيد المساطر الإدارية.

ويرى مختصون أن النجاح في هذا المجال لا يرتبط بالإرادة الفردية فقط، بل يتطلب تكوينًا متخصصًا، واختيار نشاط محدد داخل القطاع، إلى جانب سياسات عمومية داعمة توازن بين التمويل، والمواكبة التقنية، وضمان استدامة المشاريع.

وتعيد هذه التجارب النقاش حول قدرة الفلاحة وتربية المواشي على لعب دور بديل في الحد من البطالة والهجرة، خاصة في الأرياف، في حال تم تعزيزها باستثمارات في البنية التحتية، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتشجيع المبادرات النسائية والشبابية، بما يضمن تنمية محلية أكثر توازنًا واستدامة.

المصدر : صحافة بلادي

🇲🇦عربي🇫🇷FR🇬🇧EN