تونس – فتحت موجة الحر الشديدة التي تضرب تونس ملف ظروف الاحتجاز داخل السجون، بعد تسجيل سلسلة وفيات وحالات صحية حرجة في عدد من المؤسسات السجنية، بالتزامن مع درجات حرارة قاربت 50 درجة مئوية في ذروتها.
وفي يوم واحد، توفي 5 سجناء داخل سجون تونس الكبرى، بينما سجل السجن المدني بالمنستير وفاة 4 سجناء ونقل اثنين آخرين إلى قسم الإنعاش، في حين توفي سجين آخر في قفصة. كما نقل سجينان في المهدية إلى الإنعاش بعد تدهور خطير في حالتهما الصحية.
وأثارت هذه الحصيلة المتلاحقة تحذيرات حقوقية بشأن ظروف الاحتجاز، وسط حديث عن تداخل عوامل من بينها ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ وانقطاع الماء والكهرباء وضعف الرعاية الصحية. غير أنه، رغم تزامن الوفيات مع موجة الحر وربط منظمات حقوقية بين الأمرين، لا توجد حتى الآن معطيات طبية أو قضائية تثبت أن ارتفاع الحرارة كان السبب المباشر في جميع حالات الوفاة.
وأعلن رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، المحامي بسام الطريفي، تسجيل 5 وفيات في سجون تونس الكبرى يوم الجمعة 28 أغسطس، موضحاً أن المعلومات تستند إلى مصادر قضائية متعهدة بالملفات، وأن الرقم يخص تونس الكبرى وحدها ولا يشمل ولايات أخرى.
واعتبر الطريفي أن إبقاء السجناء في ظروف تتسم بالحرارة الشديدة قد يدخل، بحسب تقديره، ضمن المعاملة القاسية والمهينة، في وقت تواصلت فيه تسجيلات الوفيات والحالات الصحية الحرجة بعدد من المؤسسات السجنية.
وفي السجن المدني بالمنستير، توفي 4 سجناء، بينما نقل اثنان آخران إلى قسم الإنعاش. وأكد فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمنستير هذه الوفيات، مشيراً إلى ما وصفه بظروف إقامة صعبة تتسم بالاكتظاظ ونقص شروط النظافة، إلى جانب انقطاع الماء والكهرباء وموجة الحر.
وطالب الفرع بكشف ملابسات الوفيات وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مؤكداً أن تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لا يبرر، بحسبه، المساس بصحة السجناء أو كرامتهم أو حياتهم.
وتحدثت تقارير محلية أولية عن وقوع بعض الوفيات في ظروف مرتبطة بحالات اختناق ونقص في الأكسجين، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الأسباب الدقيقة لم تكن قد حُسمت، وأن النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بالمنستير أُبلغت بالواقعة. كما طالب مجلس الفرع الجهوي للمحامين بالمنستير بفتح بحث قضائي مستقل في كل حالة وفاة وتحديد أسبابها والمسؤوليات المرتبطة بها.
وفي قفصة، أعلن فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وفاة أحد النزلاء بالسجن المدني إثر سكتة قلبية. ولم يجزم الفرع بأن الحرارة كانت السبب المباشر للوفاة، لكنه وضع الواقعة ضمن ظروف احتجاز قال إنها ازدادت صعوبة خلال موجة الحر، إلى جانب الاكتظاظ وانعكاساته على الإقامة والرعاية الصحية.
وطالب الفرع باتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة آثار موجات الحر، خصوصاً لفائدة السجناء المصابين بأمراض مزمنة أو الذين يحتاجون إلى متابعة صحية خاصة.
وفي المهدية، كان فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قد أعلن، في 26 أغسطس، تدهور الحالة الصحية لسجينين في السجن المدني، في ما وصفه بأنه مرتبط بظروف الاحتجاز القاسية، وخاصة موجة الحر والاكتظاظ. ونُقل السجينان يوم 24 أغسطس إلى وحدة الإنعاش بقسم الاستعجالي في المستشفى الجامعي الطاهر صفر بالمهدية.
ولم تقتصر التحذيرات على المنظمات الحقوقية، إذ أعلنت المنظمة التونسية للأطباء الشبان، في 29 أغسطس، أن أقسام الاستعجالي تسجل ارتفاعاً غير مسبوق في الوفيات وحالات الإيواء المرتبطة بضربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى تسجيل وفيات لسجناء داخل عدد من أقسام الاستعجالي.
وطالبت المنظمة بإعلان حالة الطوارئ الصحية فوراً، موضحة أن المصالح المختصة بوزارة الصحة تعمل على إحصاء الوفيات والمصابين بضربات الشمس وطاقة استيعاب أقسام الإنعاش، لكنها انتقدت في الوقت نفسه عدم نشر حصيلة رسمية للوفيات.
وفي أول رد رسمي على الجدل المتصاعد، أعلنت وزارة الصحة تسجيل 633 حالة استشارة وتكفل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر، خلال الفترة الممتدة من الأول من يوليوز إلى 29 أغسطس. غير أن الوزارة لم تكشف في بيانها عن حصيلة الوفيات المرتبطة بالحر، سواء داخل السجون أو خارجها.
ومع استمرار الجدل، أصدر تحرك «نَفَس» في 30 أغسطس بياناً قال فيه إن المعطيات الواردة من ممثلي المنظمة التونسية للأطباء الشبان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعدد من المحامين تفيد بتسجيل حالات اختناق ووفيات بين السجناء.
وربط التحرك تلك الحالات بسوء المعاملة وارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ، متهماً السلطات بـ«التعتيم» على ما يحدث، ومحذراً من أن استمرار الظروف الحالية يهدد حياة بقية السجناء وحقهم في الصحة والكرامة.
المصدر: صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس