الرباط – صحافة بلادي
تشهد العلاقات بين المغرب وموريتانيا خلال الأشهر الأخيرة تحولاً لافتاً، انتقلت معه من منطق الجوار الجغرافي إلى منطق الشراكة العملية القائمة على تقاطع المصالح الاستراتيجية، في سياق إقليمي يتسم بتحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
هذا المسار الجديد اكتسب زخماً عقب الزيارة التي قام بها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الرباط أواخر سنة 2024، والتي شكلت محطة مفصلية في إعادة رسم أولويات التعاون الثنائي، ووضعت أسس شراكة أطلسية أوسع نطاقاً.
وفي يناير الجاري، اتجه هذا التقارب إلى مجالات أكثر عملية، من خلال توقيع اتفاقيات تعاون في ميادين التعليم العالي والبحث الزراعي، جمعت بين وزارة التعليم العالي الموريتانية وكل من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة ومعهد “روصو”. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز التكوين الأكاديمي وتبادل الخبرات، مع التركيز على البحث العلمي المرتبط بالأمن الغذائي والتنمية القروية.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يكتسي أهمية خاصة في ظل الضغوط المناخية التي تعرفها منطقة الساحل، حيث يُعوّل على التجربة المغربية في المجال الفلاحي ونقل التكنولوجيا الزراعية لدعم القدرات الموريتانية وبناء نماذج إنتاج أكثر استدامة.
بالموازاة مع ذلك، يشكل التعاون القضائي والأمني أحد أعمدة هذا التقارب، بعد شروع البلدين في تنفيذ برنامج العمل المشترك للفترة 2026-2027، الذي كان قد وُقّع في أكتوبر 2025 بين وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي ونظيره الموريتاني محمد ولد اسويدات.
ويستهدف هذا البرنامج تحديث المنظومة القضائية، خاصة عبر الرقمنة، إلى جانب تعزيز التنسيق في مواجهة الجرائم العابرة للحدود، بما فيها الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، في مقاربة تربط بين النجاعة القضائية وحماية الحقوق الأساسية.
اقتصادياً، تواصل المؤشرات تأكيد متانة العلاقات الثنائية، حيث يُصنف المغرب ضمن أبرز المستثمرين الأفارقة في موريتانيا، بحضور قوي في قطاعات البنوك والاتصالات والفلاحة. وقد تميز شهر يناير 2026 بحراك اقتصادي مكثف بين الفاعلين من الجانبين، ركز على تسهيل المبادلات التجارية وتجاوز الإكراهات اللوجستية والجمركية.
وتندرج هذه الدينامية ضمن رؤية التعاون جنوب–جنوب التي يدعو إليها العاهل المغربي الملك محمد السادس، والرامية إلى تحقيق شراكات قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة والاندماج الاقتصادي الإقليمي.
ويرى محللون أن تسارع وتيرة الاتفاقيات بين الرباط ونواكشوط يعكس إرادة سياسية واضحة لتحويل العلاقات الثنائية إلى ركيزة استقرار في محيط إقليمي مضطرب، عبر بناء شراكة تشمل التنمية، الأمن، والاستثمار.
ومن خلال هذا المسار المتعدد الأبعاد، يبدو أن المغرب وموريتانيا يؤسسان لنموذج تعاون يتجاوز الظرفية، ويضع أسس تكامل طويل الأمد يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار في الفضاء الأطلسي.
المصدر : صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس