عاد الجدل المؤسسي في ليبيا إلى الواجهة، بعد تصاعد الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة أثارت مخاوف من انعكاساتها المباشرة على المسار الانتخابي المتعثر.
وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من هذا التصعيد، معتبرة أن أي مساس بالمفوضية يمسّ جوهر خارطة الطريق السياسية، خاصة أن هذه الهيئة ظلت، وفق توصيف أممي، من بين المؤسسات القليلة التي حافظت على حد أدنى من التماسك والكفاءة التقنية رغم الانقسام السياسي والمؤسسي.
اتفاق قديم وخلاف متجدد
وفي قراءة سياسية للوضع، اعتبر الباحث الأكاديمي أحمد العبود أن الخلاف الحالي يرتبط بتعثر تنفيذ اتفاق أبو زنيقة لسنة 2021، الذي كان ينص على إعادة توزيع المناصب السيادية وفق توازن جهوي. وأوضح أن غياب الإرادة السياسية لدى عدد من الأطراف حال دون تنزيل هذا الاتفاق، ما ساهم في تراكم الخلافات وعودة التوترات حول مؤسسات مفصلية، من بينها المفوضية العليا للانتخابات.
المصرف المركزي كنقطة تحول
وأشار العبود إلى أن أزمة المصرف المركزي شكّلت محطة فارقة، دفعت البعثة الأممية إلى تفعيل آليات الاتفاق السياسي، خصوصاً المادة 15 المتعلقة بالتوافق بين مجلسي النواب والدولة حول المناصب السيادية. غير أن طريقة تدبير هذا الملف، حسب المتحدث، عمّقت الشكوك حول احترام روح الاتفاق، وأسهمت في توسيع دائرة الخلاف.
خطة أممية على مرحلتين
وفي سياق متصل، عرضت المبعوثة الأممية الجديدة خطة تقوم على مرحلتين، تبدأ بإعادة استكمال تركيبة المفوضية وتحديث السجل الانتخابي، مع توفير الضمانات القانونية والتنظيمية اللازمة، قبل الانتقال إلى تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية. كما تتضمن الخطة معالجة إشكالية الحكومتين القائمتين، عبر تشكيل حكومة موحدة أو دمجهما في إطار توافقي.
إجراءات أحادية وموقف دولي
ويرى العبود أن بعض الخطوات الأحادية التي اتخذها المجلس الأعلى للدولة، خاصة ما يتعلق بإعادة تشكيل لجان التوافق والسعي إلى تغيير مفوضية الانتخابات، أربكت هذا المسار، مشيراً إلى أن البعثة الأممية أعلنت عدم اعترافها بهذه الإجراءات، في تأكيد على تمسكها بالإطار الأممي المعتمد.
مفوضية الانتخابات في قلب الجدل
وتزداد حدة الجدل، رغم أن المفوضية أشرفت في الفترة الأخيرة على انتخابات بلدية حظيت بإشادة أممية، وأعلنت جاهزيتها لتنظيم استحقاقات وطنية في حال توفر الشروط القانونية والسياسية، ما يطرح تساؤلات حول دوافع إعادة فتح هذا الملف في هذا التوقيت.
إشكال أوسع من المفوضية
ويخلص المتابعون إلى أن الأزمة تتجاوز المفوضية العليا للانتخابات، لتشمل ملف المناصب السيادية ككل، في ظل غياب توافق سياسي شامل. ويرى مراقبون أن تثبيت الوضع القائم مؤقتاً قد يكون الخيار الأقل كلفة، إلى حين الوصول إلى انتخابات تمنح الشرعية لمؤسسات قادرة على الحسم في هذه الملفات الخلافية.
المصدر : صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس