الجزائر – حذر صندوق النقد الدولي من استمرار الضغوط على المالية العامة والحساب الجاري في الجزائر، رغم تسجيل الاقتصاد نمواً قوياً خلال 2025 وتحسن آفاقه على المدى القريب، مؤكداً أن اتساع العجز المالي وتراجع هوامش الأمان المالية والخارجية يفرضان تسريع الإصلاحات وإعادة ضبط السياسات الاقتصادية.
وجاء ذلك في تقرير للمجلس التنفيذي للصندوق عقب مشاورات المادة الرابعة مع الجزائر، حيث اعتبر أن برنامج الإصلاح الاقتصادي ساهم في دعم التنويع وتعزيز النمو، لكنه شدد في المقابل على أن معالجة مواطن الضعف تتطلب ضبط المالية العامة، وتركيز السياسة النقدية على استقرار الأسعار، إلى جانب زيادة مرونة سعر الصرف.
وسجل الاقتصاد الجزائري نمواً حقيقياً قدره 3.9% خلال 2025، مقابل 3.7% في 2024، مدفوعاً بشكل أساسي بقوة الاستثمار. غير أن هذا الأداء تزامن مع ارتفاع التضخم واتساع العجزين المالي والحساب الجاري.
وبحسب التقرير، ارتفع التضخم السنوي من ناقص 2% في سبتمبر 2025 إلى 5.2% في أبريل 2026، في ظل انتهاء مرحلة انكماش أسعار المواد الغذائية وارتفاع أسعار المجوهرات بالتزامن مع صعود أسعار الذهب.
عجز مالي وضغوط على التمويل
ورغم تراجع العجز المالي خلال 2025، قال صندوق النقد الدولي إن مستواه لا يزال مرتفعاً، مشيراً إلى أن التحسن المسجل استفاد من تحويلات استثنائية كبيرة من أرباح الشركات المملوكة للدولة ومن بنك الجزائر.
وأشار التقرير إلى أن تراجع هوامش الأمان المالي، بالتزامن مع استمرار الاحتياجات التمويلية المرتفعة، أدى إلى زيادة الدين العام وتعاظم الاعتماد على التمويل المقدم من البنك المركزي.
وفي المقابل، شهد الحساب الجاري تدهوراً ملحوظاً نتيجة ارتفاع الواردات وتراجع صادرات المحروقات، وهو ما انعكس في خسائر مهمة للاحتياطيات الخارجية، بينما سجلت علاوة سعر الصرف في السوق الموازية ارتفاعاً إضافياً.
نمو متوقع في 2026
وعلى الرغم من هذه الضغوط، يرى صندوق النقد الدولي أن الآفاق الاقتصادية للجزائر على المدى القريب تظل إيجابية عموماً، مدعومة بارتفاع أسعار المحروقات الذي يمكن أن يعزز إيرادات التصدير والمالية العامة.
ويتوقع الصندوق نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 3.8% خلال 2026، مع احتمال ارتفاع التضخم بشكل مؤقت، واستمرار ارتفاع عجز المالية العامة والتمويل النقدي، في وقت يُرجح فيه تراجع عجز الحساب الجاري بدعم من ارتفاع أسعار المحروقات وانخفاض الواردات.
لكن التقرير يتوقع تباطؤ النمو على المدى المتوسط، بالتوازي مع ارتفاع الدين العام وتراجع الاحتياطيات مجدداً إذا استمر عجز الحساب الجاري.
المحروقات تظل عاملاً حاسماً
وحذر الصندوق من أن انخفاض أسعار المحروقات بشكل حاد يمثل أحد أبرز المخاطر التي يمكن أن تواجه الاقتصاد الجزائري، إلى جانب احتمال اتساع العجز المالي بما قد يضغط على استدامة الدين ويزيد الروابط بين الدولة والجهاز المصرفي.
كما اعتبر أن استمرار الاعتماد على التمويل النقدي قد يضعف استقرار الأسعار ومصداقية السياسة الاقتصادية.
وفي المقابل، يرى الصندوق أن تشديد الانضباط المالي وتسريع التنويع الاقتصادي ومواصلة الإصلاحات الهيكلية يمكن أن تساعد الجزائر على تحسين مناخ الأعمال وجذب مزيد من الاستثمار الخاص وتعزيز النمو والقدرة على مواجهة الصدمات.
دعوة إلى توسيع دور القطاع الخاص
ورحب المديرون التنفيذيون للصندوق بقوة النمو والجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد الجزائري، لكنهم دعوا إلى إعادة التوازن تدريجياً إلى سياسات الاقتصاد الكلي ومواصلة الإصلاحات الهيكلية بهدف استعادة هوامش الأمان وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود.
كما شددوا على أهمية اعتماد مسار تدريجي وموثوق لضبط المالية العامة، معتبرين أن الإيرادات الاستثنائية المرتبطة بالمحروقات توفر فرصة لإعادة بناء الاحتياطيات المالية، مع زيادة الإيرادات غير المرتبطة بالمحروقات وتحسين كفاءة الاستثمار العام وترشيد الإنفاق.
وفي هذا السياق، أوصى الصندوق بإصلاح تدريجي لدعم الطاقة، بالتوازي مع توجيه الدعم نحو الأسر الأكثر هشاشة، فضلاً عن تعزيز إدارة المالية العامة والمخاطر وفق إطار قائم على قواعد واضحة.
سياسة نقدية أكثر تركيزاً على التضخم
ودعا المديرون التنفيذيون إلى تعزيز إطار السياسة النقدية من خلال جعل خفض التضخم الهدف الاسمي الرئيسي، وتحسين انتقال قرارات السياسة النقدية إلى الاقتصاد، ودعم الاستقلالية التشغيلية لبنك الجزائر.
كما أوصوا بحصر التمويل النقدي في الظروف الاستثنائية، معتبرين أن زيادة مرونة سعر الصرف يمكن أن تساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية والحد من الفارق بين السعر الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية.
إصلاح القطاع المصرفي ومناخ الأعمال
وأشاد الصندوق بمستويات السيولة والربحية والرسملة التي تتمتع بها البنوك الجزائرية، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى مواصلة الإصلاحات للحد من المخاطر المرتبطة بالقروض المتعثرة والروابط بين الدولة والبنوك والمؤسسات المملوكة لها.
وشملت التوصيات أيضاً تعزيز الرقابة المصرفية، وتقوية أطر إدارة الأزمات والسيولة، وتحسين حوكمة البنوك العمومية، إلى جانب مواصلة تطبيق الإطار الخاص بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب واستكمال توصيات برنامج تقييم القطاع المالي.
وفي مجال الإصلاح الاقتصادي، حدد الصندوق عدداً من الأولويات، من بينها تحسين مناخ الأعمال، وضمان تكافؤ الفرص بين الشركات العمومية والخاصة، وتقليص الحواجز التنظيمية والأنشطة غير الرسمية، وتعزيز الحوكمة والشفافية.
كما أشار إلى أهمية رفع قدرة الاقتصاد على مواجهة تداعيات تغير المناخ وتعميق الروابط التجارية والطاقية للجزائر مع أوروبا وإفريقيا.
المصدر: صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس