صحافة بلادي – الرياضة | متابعة إخبارية
الرباط – يواجه المغرب، في أفق تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تحدياً يتجاوز إنجاح البطولة إلى ضمان استمرار العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمارات المنجزة، من خلال تحويل الملاعب والسكك الحديدية والمطارات والبنيات السياحية إلى أصول منتجة بعد مغادرة الجماهير. ويقدّر صندوق النقد الدولي الاستثمارات المبرمجة في البنية التحتية للنقل والسياحة خلال الفترة 2024-2030 بنحو 190.3 مليار درهم، تشمل السكك الحديدية والمطارات والملاعب والطرق وتأهيل المدن المستضيفة.
ولا يتعلق الرهان بحجم الإنفاق وحده، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على تحسين الخدمات اليومية، ودعم النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة، مع ضمان التوازن بين تكاليف التشغيل والصيانة والمداخيل التي يمكن أن تحققها المنشآت بعد انتهاء المنافسات.
البنية التحتية.. استثمار يتجاوز موعد البطولة
تُعد شبكة النقل من أبرز المجالات التي يمكن أن تستمر آثارها بعد 2030، إذ يتضمن البرنامج الاستثماري تحديث السكك الحديدية وتطوير القطار فائق السرعة وشبكات النقل الجهوي، إلى جانب توسيع المطارات وتحديثها وتقوية الطرق. كما يشمل بناء ملاعب جديدة وتأهيل أخرى، وتحسين البنية التحتية الحضرية والسياحية في المدن المستضيفة.
ويمكن لهذه المشاريع أن تدعم تنقل المواطنين والعمال والسياح، وتُحسن الربط بين المدن والمراكز الاقتصادية، شريطة أن تُستكمل في الآجال المحددة وأن تُشغّل وفق حاجيات فعلية. ويظل الأثر النهائي مرتبطاً بجودة الخدمات وحجم استخدامها، وليس بمجرد إنجاز البنية التحتية.
الملاعب.. كيف تتحول المنشآت إلى أصول مستدامة؟
يمثل تدبير الملاعب بعد البطولة أحد الاختبارات الأساسية للإرث الرياضي للمونديال. فاستدامة هذه المنشآت تتطلب برمجة مباريات البطولة الوطنية والمسابقات القارية والدولية، واستضافة التظاهرات والأنشطة التي تسمح برفع معدلات الاستخدام، إلى جانب وضع خطط واضحة للصيانة والتدبير.
وفي هذا السياق، يناقش بحث أكاديمي مغربي نُشر سنة 2026 قضايا استدامة الملاعب بعد التظاهرات الكبرى، مركزاً على العلاقة بين الحكامة والتشغيل والقدرة على تحقيق استخدام مستمر للمنشآت. ويبرز هذا النقاش أهمية التخطيط لما بعد البطولة قبل اكتمال المشاريع، بدل تأجيل ملف الاستغلال إلى ما بعد انتهاء المنافسات.
السياحة.. هل يستمر الزخم بعد 2030؟
يدخل المغرب مرحلة الاستعداد للمونديال من قاعدة سياحية قوية؛ فقد سجلت المملكة 19.8 مليون وافد سياحي خلال سنة 2025، بزيادة قدرها 14 في المائة مقارنة بسنة 2024، فيما بلغت المداخيل السياحية 138 مليار درهم، بحسب وزارة السياحة. وتستهدف التوجهات السياحية الرسمية بلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030.
لكن استمرار هذا النمو بعد البطولة لن يكون تلقائياً، إذ يتطلب تنويع العرض السياحي، وتحسين جودة الاستقبال والنقل والخدمات، وجذب الزوار خارج فترات التظاهرات الرياضية. كما أن توزيع المنافع على مناطق المملكة يرتبط بقدرة الوجهات المختلفة على استقطاب السياح وتطوير أنشطة اقتصادية محلية.
فرص الشغل.. الفرق بين ورش مؤقت ونشاط دائم
يمكن لأوراش البناء والتجهيز أن ترفع الطلب على اليد العاملة خلال مرحلة الإنجاز، فيما تتيح قطاعات الفندقة والنقل والصيانة وتنظيم الفعاليات فرصاً قد تستمر بعد 2030. غير أن هذه النتائج لا يمكن تحديدها بدقة من دون معطيات تفصل الوظائف المرتبطة مباشرة بالمونديال عن باقي الأنشطة الاقتصادية.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تسريع الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي والتشغيل، لكنه يشدد كذلك على ضرورة تدبير مخاطر المشاريع وتحسين الاستثمار في الرأسمال البشري. وهذا يجعل التكوين المهني وملاءمة المهارات مع حاجيات المقاولات عنصرين أساسيين لتحويل الاستثمارات إلى فرص شغل أكثر استقراراً.
190 مليار درهم.. ما معيار النجاح بعد 2030؟
يبلغ البرنامج الاستثماري الذي أورده صندوق النقد الدولي نحو 190.3 مليار درهم للفترة 2024-2030، وهو رقم يخص البنية التحتية للنقل والسياحة المرتبطة بتسريع المشاريع، ولا يمثل التكلفة الإجمالية لكل ما يتعلق بتنظيم كأس العالم. كما أن التقرير يوضح أن الاستثمارات موزعة بين المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية والدولة.
وبعد مغادرة الجماهير، ستتحدد حصيلة هذه الاستثمارات من خلال مؤشرات عملية، من بينها عدد المستفيدين من خدمات النقل، ومعدلات استخدام الملاعب، واستمرار نمو السياحة، والوظائف التي تبقى قائمة، ومدى قدرة المنشآت على تغطية تكاليف تشغيلها وصيانتها.
وبذلك، فإن الإرث الأهم لمونديال 2030 لن يقتصر على الملاعب التي ستحتضن المباريات أو الصور التي ستنقلها الشاشات إلى العالم، بل سيقاس بمدى تحول المشاريع إلى خدمات مستدامة وفرص اقتصادية ملموسة يستفيد منها المواطن والاقتصاد المغربي لسنوات بعد انتهاء البطولة.
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس