تونس –دخلت في تونس زيادات جديدة على أسعار نحو 300 دواء حيز التنفيذ، لتضع المرضى أمام كلفة علاج أعلى، في وقت تواجه فيه الصيدلية المركزية ضغوطًا مالية كبيرة تهدد قدرتها على تمويل وارداتها والحفاظ على انتظام تزويد السوق.
وتشمل المراجعة عددًا من الأدوية المستوردة، بينها أصناف ظلت أسعارها مستقرة لسنوات. ويظهر أثر الزيادة بشكل أكبر لدى المرضى الذين يعتمدون على علاجات طويلة الأمد، إذ إن ارتفاع أسعار عدة أدوية في الوصفة الواحدة يرفع الفاتورة الشهرية بشكل ملحوظ.
ولا تتوقف تداعيات الزيادة عند السعر المعلن في الصيدلية، إذ قد يتحمل المرضى المؤمنون جزءًا إضافيًا من الكلفة بسبب طريقة احتساب التعويضات الصحية. ويوضح الخبير في الصناديق الاجتماعية عبد الكريم جراد أن «الكنام» يعتمد في احتساب التغطية على سعر الدواء الجنيس أو المكافئ المحلي، وهو ما قد يوسع الفارق الذي يؤديه المريض عندما يكون الدواء الأصلي مستوردًا.
أزمة مالية تضغط على الصيدلية المركزية
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه الصيدلية المركزية أمام أعباء مالية متزايدة، بفعل ارتفاع أسعار الأدوية في الأسواق الدولية، وتراجع قيمة الدينار، إضافة إلى تراكم الديون والمستحقات.
وتدير المؤسسة نحو 4 آلاف صنف دوائي، ما يمنحها دورًا محوريًا في منظومة التزويد بالدواء في تونس.
وتكشف أرقام قدمها رئيس منظمة «آرت» الرقابية لؤي الشابي حجم التحول في كلفة المشتريات، التي ارتفعت من حوالي 30 مليون دينار سنة 2021 إلى قرابة 300 مليون دينار سنة 2024. كما تجاوزت الديون المتراكمة للصيدلية المركزية 1.26 مليار دينار.
ويرى رئيس نقابة الصيادلة زبير قيقة أن المشكلة أصبحت ذات طبيعة هيكلية، داعيًا إلى توفير سيولة عاجلة وتسوية مستحقات الصيدلية المركزية حتى تتمكن من أداء التزاماتها تجاه الموردين وضمان استمرار وصول الأدوية إلى السوق.
أما الرئيس السابق لنقابة أصحاب الصيدليات الخاصة نوفل عميرة، فيعتبر أن مراجعة الأسعار الأخيرة لا تغطي كامل الكلفة التي تتحملها المؤسسة، وبالتالي لا يمكن أن تشكل وحدها مخرجًا للأزمة.
من يدفع ثمن الاختلال؟
وتعيد الزيادات الجدل حول النموذج الذي تُدار به منظومة الدواء في تونس. فوفق لؤي الشابي، تعود قواعد التسعير الحالية في جزء منها إلى عقود مضت، عندما كانت كلفة الاستيراد وقيمة العملة المحلية مختلفة بشكل كبير عن الوضع الراهن.
وفي المقابل، يحذر الاتحاد العام التونسي للشغل من أن رفع أسعار الأدوية قد يضاعف الأعباء على الأسر، خصوصًا محدودي الدخل والعمال والفئات التي لا تستفيد من تغطية اجتماعية كافية.
ويرى الاتحاد أن بعض الزيادات في الأدوية الحيوية قد تجعل الحصول على العلاج أكثر صعوبة بالنسبة إلى الفئات الهشة.
تمويل الصحة يفاقم المعضلة
وتتجاوز الأزمة مسألة أسعار الأدوية لتصل إلى تمويل القطاع الصحي ككل. ووفق المرصد التونسي للاقتصاد، لم تتجاوز حصة وزارة الصحة 5.11% من الميزانية العامة، فيما بقي الاستثمار العمومي في الصحة دون 1% من الميزانية خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025، باستثناء سنة جائحة كورونا.
ورفعت الحكومة، ضمن مشروع ميزانية 2026، مخصصات وزارة الصحة بنسبة 8.8% لتصل إلى نحو 4.35 مليارات دينار، أي ما يقارب 5.4% من الميزانية العامة.
وكانت وزارة الصحة قد وصفت وضع المنظومة الصحية في مراسلة رسمية لمجلس نواب الشعب بأنه ذو طبيعة هيكلية، مؤكدة التنسيق مع وزارتي المالية والشؤون الاجتماعية لتأمين الموارد اللازمة لاستمرارية التزود بالأدوية.
كما بحثت رئاسة الجمهورية في يناير الماضي إجراءات مرتبطة بضمان استمرار توفير الأدوية وحماية الحق في العلاج.
وبذلك، تجد تونس نفسها أمام خيارين متلازمين:الصيدلية المركزية تحتاج إلى موارد أكبر لتأمين الدواء، والمواطن يحتاج في المقابل إلى أسعار لا تتجاوز قدرته على العلاج.وبينهما تبرز أزمة تمويل تتطلب حلولًا تتجاوز الزيادة في الأسعار إلى إصلاح أوسع لمنظومة الدواء والصحة.
المصدر :صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس