الرباط – يراهن المغرب على أن يشكل مونديال 2030، الذي سيستضيفه إلى جانب إسبانيا والبرتغال، رافعة إضافية لتعزيز تدفقات العملة الصعبة، خصوصاً عبر السياحة والخدمات والاستثمار، في وقت أظهرت فيه أحدث معطيات مكتب الصرف أن مداخيل السفر بلغت 97.9 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بارتفاع نسبته 9.7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025. ويأتي ذلك بعد تسجيل مداخيل سياحية بلغت 138.1 مليار درهم خلال سنة 2025 بأكملها.
وتكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة مع اقتراب موعد كأس العالم 2030، الذي تراهن المملكة من خلاله على رفع جاذبيتها السياحية وتعزيز قدرتها على استقبال الزوار وتوسيع مداخيل الخدمات، في وقت يعتبر فيه صندوق النقد الدولي أن تسارع الاستثمارات في البنية التحتية والقطاع السياحي خلال الفترة 2024-2030 يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي والتشغيل ويعزز تدفقات السياحة.
السياحة في مقدمة مصادر العملة الصعبة
وأظهرت بيانات مكتب الصرف أن مداخيل السفر ارتفعت من 89.2 مليار درهم إلى 97.9 مليار درهم بين نهاية غشت 2025 ونهاية غشت 2026، بزيادة بلغت نحو 8.7 مليارات درهم، بينما ارتفعت نفقات السفر بنسبة 6.6 في المائة إلى 23.3 مليار درهم.
وبذلك بلغ صافي مداخيل السفر خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 حوالي 74.6 مليار درهم، مقابل نحو 67.4 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وتعكس هذه الأرقام أهمية السياحة بالنسبة للرصيد الخارجي للمملكة، خصوصاً أن عائدات السفر تمثل أحد أبرز مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد المغربي.
وسجل القطاع خلال 2025 أداءً قياسياً، بعدما استقبل المغرب قرابة 20 مليون زائر، محققاً عائدات بالعملة الصعبة بلغت 138 مليار درهم، وفق معطيات رسمية أعلنتها وزارة السياحة.
المونديال يفتح باباً إضافياً أمام تدفقات النقد الأجنبي
ومن المرتقب أن يوفر مونديال 2030 فرصة لتعزيز هذه التدفقات من خلال الإنفاق المرتبط بإقامة الجماهير والمنتخبات والوفود، وما يرافق ذلك من مصاريف على الإيواء والنقل والمطاعم والترفيه والخدمات.
لكن العائد الاقتصادي المرتبط بالعملة الصعبة لن يقتصر بالضرورة على فترة إقامة المباريات، إذ إن الاستثمارات المنجزة استعداداً للحدث يمكن أن ترفع قدرة المغرب على استقبال السياح وتحسين الربط الجوي والسككي وتعزيز جاذبية المدن المغربية خلال السنوات التي تلي البطولة.
وفي هذا الإطار، يقدر صندوق النقد الدولي حجم برنامج الاستثمارات في البنية التحتية للربط والسياحة بين 2024 و2030 بنحو 190.3 مليار درهم، أي ما يعادل 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024. ويشمل البرنامج تطوير السكك الحديدية والمطارات والطرق، إلى جانب بناء وتجديد الملاعب وتحسين البنية الحضرية والسياحية.
الاستثمارات قد تعزز قدرة المغرب على جذب السياح
ويرى صندوق النقد الدولي أن تحسين البنية التحتية للربط والسياحة يمكن أن يرفع النشاط الاقتصادي والإنتاجية، مع استفادة قطاعات متعددة من تحسين الاتصال بين المدن والأسواق.
كما أشار الصندوق إلى أن تسارع مشاريع البنية التحتية خلال الفترة 2024-2030، المرتبطة أيضاً بالتحضير لاستضافة أحداث دولية كبرى من بينها كأس العالم، من شأنه دعم النشاط الاقتصادي والتشغيل.
ويعني ذلك أن جزءاً من المكسب المرتبط بالعملة الصعبة قد يظهر بصورة غير مباشرة، من خلال قدرة البنية التحتية الجديدة على استقطاب مزيد من السياح والاستثمارات وتحسين تنافسية الخدمات المغربية.
أرقام 2026 تعطي مؤشراً على قوة القطاع قبل المونديال
وتكتسي الزيادة المسجلة خلال 2026 أهمية خاصة لأنها تحققت قبل أربع سنوات من انطلاق كأس العالم.
فحتى نهاية غشت، ارتفعت مداخيل السفر بنسبة 9.7 في المائة، بينما ارتفع فائض ميزان السفر بنسبة 10.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025. ويظهر ذلك استمرار الدينامية الإيجابية للقطاع السياحي، وإن كانت هذه الأرقام لا يمكن نسبها إلى المونديال الذي لم يبدأ بعد.
وهذه الملاحظة مهمة عند تقييم العائد المتوقع من كأس العالم، لأن الارتفاع الحالي في مداخيل السفر يعكس أداء السياحة المغربية وعوامل اقتصادية أخرى، وليس أثراً مباشراً للبطولة.
الرهان الحقيقي.. الحفاظ على تدفقات العملة بعد 2030
وتكمن أهمية مونديال 2030 بالنسبة للاقتصاد المغربي في إمكانية تحويل الحضور العالمي الذي ستوفره البطولة إلى مكاسب مستمرة بعد نهايتها.
فإذا نجح المغرب في تحويل الزوار الذين سيأتون خلال البطولة إلى سياح يعودون في سنوات لاحقة، ونجح في استقطاب استثمارات جديدة وتوسيع الخدمات الموجهة للسياح، فإن أثر الحدث قد يتجاوز الإيرادات المباشرة المرتبطة بالمباريات.
كما يمكن لتحسين المطارات والسكك والطرق والبنية السياحية أن يخفض بعض تكاليف الوصول والتنقل ويرفع قدرة المدن المغربية على استقبال أعداد أكبر من الزوار.
وفي المقابل، لا تعني زيادة تدفقات العملة الصعبة أن كامل المداخيل تمثل مكاسب صافية للاقتصاد، إذ ترتبط الاستفادة النهائية بحجم الإنفاق المحلي، ونسبة القيمة المضافة التي تنتجها المقاولات المغربية، إضافة إلى كلفة الاستثمارات والواردات المرتبطة بالمشاريع الكبرى.
المونديال كرافعة.. وليس رقماً مستقلاً في ميزان العملة
ولا تتوفر، إلى حدود المعطيات الرسمية المنشورة، قيمة منفصلة يمكن نسبها حصراً إلى “العملة الصعبة التي سيجلبها مونديال 2030”. لذلك فإن قياس أثر البطولة يتطلب انتظار النتائج الفعلية خلال 2030 وما بعدها، ومقارنتها بالمسار الذي كان يمكن أن تسلكه السياحة والاقتصاد المغربيان في غياب البطولة.
أما المؤكد حالياً فهو أن المغرب يدخل مرحلة المونديال من قاعدة سياحية قوية؛ فقد بلغ عدد الزوار نحو 20 مليوناً في 2025، ووصلت مداخيل السفر إلى 138.1 مليار درهم خلال السنة نفسها، قبل أن تسجل 97.9 مليار درهم إضافية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.
وبالتالي، فإن التحدي الاقتصادي الحقيقي أمام المغرب لن يكون فقط في جلب مزيد من العملة الصعبة خلال مونديال 2030، وإنما في تحويل الزخم السياحي والاستثماري للبطولة إلى تدفقات مستدامة بعد انتهائها.
المصدر: صحافة بلادي
صحافة بلادي صحيفة إلكترونية مغاربية متجددة على مدار الساعة تعنى بشؤون المغرب الجزائر ليبيا موريتانيا تونس